محمد بن أحمد الفاسي

80

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

ثلاث وسبعين ثم ولى قضاء المدينة النبوية وخطابتها وإمامتها ، على قاعدة من تقدمه ، في سنة خمس وسبعين بعد وفاة القاضي بدر الدين بن الخشاب ، وأتاه الخبر بذلك إلى مكة في سابع عشر رجب من السنة المذكورة ، وتوجه إلى المدينة ومعه عمه القاضي نور الدين علي بن أحمد النويري . وبلغوها في مستهل شعبان ، وباشر جميع ما فوض إليه ، ولقى من كثير من أهل المدينة أذى كثيرا بالقول ، فقابل كثيرا من ذلك بالصفح والإحسان ، ثم صرف عن الخطابة والإمامة مديدة يسيرة بالشيخ شهاب الدين الصقلى ، ثم عاد إليه ، واستمر على ذلك حتى صرف عنه في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ، لما ولى قضاء مكة وخطابتها بعد عزل القاضي شهاب الدين بن ظهيرة على ما كان عليه ، وجاءه الخبر بذلك وهو بالمدينة . وتوجه إلى مكة ودخلها في أول العشر الآخر من رمضان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ، وباشر ما فوض إليه من الحكم والخطابة وغير ذلك ، ثم أضيف إليه في سنة تسع وثمانين تدريس درس بشير الجمدار ، ثم أضيف إليه تدريس المدرسة المجاهدية بمكة . واستمر على ذلك حتى مات في ليلة الأربعاء تاسع عشر شهر رجب سنة تسع وتسعين وسبعمائة بمكة ، ودفن بالمعلاة عند أبيه ، وكثر الأسف عليه ، لما فيه من المحاسن العديدة ، فإنه كان كثير التودد للناس مجملا لهم ، مع عقل راجح وديانة وصيانة وعفاف ، وكان نشأ على ذلك من صغره ، ولديه فضائل ومعرفة بالأحكام ، ورزق فيها من صغره السداد مع الهيبة والحرمة ، وكان نقمة على الرافضة بالمدينة ، وله في إهانتهم لإعزاز السنة أخبار كثيرة ، ولم يحترم منهم في ذلك كبيرا ، حتى إنه كان يغلظ لأميرهم عطية بن منصور صاحب المدينة . ومما جرى بينهما في ذلك ، أن عطية قال له يوما ما معناه ؛ يا قاضى ، أنا مثل هذه المنامة - يعنى سارية من سواري المسجد النبوي - إذا طحت على شئ كسرته ، وإن طاح على شئ انكسر . فقال له القاضي محب الدين المذكور ما معناه : هذه المنامة إذا رأينا منها خللا أزلناها وأقمنا عوضها أخرى . فأفحم عطية ولم يحر جوابا ، وقال : قتلني ابن النويري . وكان له حظ وافر من العبادة والذكر وصحبة أهل الخير وخدمتهم والإحسان إليهم ،